الموضوعية.. صعبة وقوية!!
يَدّعي أَكثَر النَّاس «المَوضوعيَّة والعَقلَانيَّة»، ومَا عَلِمُوا أَنَّ مِثل هَذه المَفاهيم، مُتعَالية وعَالية، ولَا يُمكن الوصُول إليهَا مَهمَا اجتَهدَ الإنسَان؛ لأنَّ المَوضوعيَّة تَقتَضي أَنْ يَتجرَّد الإنسَان مِن كُلِّ قيُودهِ النَّفسيَّة، والمَعرفيَّة والدِّينيَّة، والاجتمَاعيَّة والحَضَاريَّة، وقَد رَاعَى القُرآن الكَريم استحَالَة المَوضوعيَّة عِند البَشَر، فأَشَار إلَى مَفهوم عَدم المَيلان كُلّ المَيل، لذَلك قَال تَعَالَى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}..!أَكثَر مِن ذَلك، إنَّ العَقل البَشري مُتحيِّز بطَبعه، بَل لَا يُمكن أَنْ يَعمَل إلَّا إذَا كَان مُتحيِّزًا؛ ولذَلك يَقول الفَيلسوف الأَمريكي «وليام جيمس»: (إنَّ العَقْل البَشري جُزئي ومُتحيِّز بطَبيعته، ولَا يَستَطيع التَّفكير المُثمر؛ إلَّا إذَا كَان جُزئيًّا فِي نَظرتهِ، ومُتحيِّزًا فِي اتِّجَاهه؛ لأنَّ الحَقيقَة الخَارجيَّة فِي رَأيه؛ تَحتَوي عَلى نَواحٍ مُتعدِّدة، وتَفاصيل شَتّى، فإذَا لَم يُركّز العَقل انتبَاهه عَلَى نَاحية، ويَترك النَّواحي الأُخرَى، يَصعب عَليه الوصُول إلَى فِكرَةٍ عَمليَّةٍ وَاضِحَةٍ عَنهَا)..!ويَرَى الفَيلسوف «وليام جيمس»، (أنَّ العَقل لَا يَكون ذَا مَقدرة وكِفَايَة، إلَّا بتَخيُّره مَا يَنتَبه إليهِ، وبَتركه مَا عَدَاه، أَي بتَضييقه وِجهة نَظرَه، وإلَّا تَوزّعت قوّته الضَّئيلَة، وضَلَّ فِي تَفكيره)..!إذَاً، هَكَذا هو العَقْل؛ مُتحيِّزٌ بطَبعهِ، وإذَا أَردنَا تَبسيط مَفهوم التَّحيُّز، فتَأمَّلوا المِثَال التَّالي:لَو أنَّ رَجُلًا دَخَلَ إلَى السّوق بكَامل هِندَامه، ومَرّ مِن أَمَام المَحلَّات، فإنَّ عَقل كُلّ بَائِعٍ - فِي هَذه الحَالَة - سيَنصَرف إلَى بِضَاعته، فبَائع الأَحذية يَنظُر إلَى حِذَاء هَذَا الرَّجُل، وبَائِع السَّاعَات يَنظر إلَى سَاعته، والخيَّاط يَنظر إلَى ثَوبه، وبَائِع العُقَال والشِّمَاغ والطَّواقِي؛ يَنظر إلَى شِمَاغه وعُقَاله وطَاقيّته..!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي أَنْ أَسألكُم - ونَفسي: هَل نَحنُ مُتحيِّزون؟.. أَصَالةً عَن نَفسي، أَعتَرف أنِّني مُتحيِّز، فلَو أُقيمت عَشر مُبَاريات قَويَّة فِي كَأس العَالَم؛ فِي نَفس الوَقت الذي يَلعب فِيهِ الاتّحَاد، فأَنَا سأَتحيّز لمُبَارَاة الاتّحاد، بغَضّ النَّظر عَن الحَقيقَة التي تَقول: إنَّ مُتعة مُبَاريات كَأس العَالَم لَا مَثيل لَهَا..!!
©